الحاج حسين الشاكري
125
موسوعة المصطفى والعترة ( ع )
وقد أمدّ اللّه تعالى الإخلاص في قلب الإمام الصادق بعدّة عناصر غذّته ونمّته فآتى أكله . أوّلها : ملازمته للعلم ورياضته نفسه وانصرافه للعبادة ، وابتعاده عن كلّ مآرب الدنيا . ولنترك الكلمة للإمام مالك بن أنس يصف حاله فيقول : كنت آتي جعفر ابن محمد ، وكان كثير التبسّم ، فإذا ذكر عنده النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) اخضرّ واصفرّ ، ولقد اختلفت إليه زماناً فما كنت أراه إلاّ على إحدى ثلاث خصال : إمّا مصلياً ، وإمّا صائماً ، وإمّا يقرأ القرآن ، وما رأيته قطّ يحدّث عن رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلاّ على طهارة ، ولا يتكلّم فيما لا يعنيه ، وكان من العبّاد الزهّاد الذين يخشون اللّه . وثانيها : الورع ، ولكنّ ورعه لم يكن حرماناً ممّا أحلّ اللّه ، فلم يكن تركاً للحلال ، بل كان طلب الحلال من غير إسراف ولا خيلاء ، وقد أخذ بقول النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " كلوا واشربوا والبسوا في غير سرف ولا مخيلة " . ولكنّه مع طلبه الحلال كان يميل إلى الحسن من الثياب ، وكان يحبّ أن يظهر أمام الناس بملبس حسن لكيلا تكون مراءاةً فيما يفعل ، فكان يخفي تقشّفه تطهيراً لنفسه من كلّ رياء . ولقد دخل سفيان الثوري على أبي عبد اللّه الصادق فرأى عليه ثياباً حسنة لها منظرٌ حسن ، ويقول الثوري : فجعلت أنظر إليه متعجّباً ، فقال لي : يا ثوري ، ما لك تنظر إلينا ؟ لعلّك تعجب ممّا رأيت ؟ ! قلت : يا ابن رسول اللّه ، ليس هذا من لباسك ولا لباس آبائك . فقال لي : يا ثوري ، كان ذلك زماناً مقفراً مقتراً ، وكانوا يعملون على قدر إقفاره وإقتاره ، وهذا زمانٌ قد أقبل كلّ شيء فيه ، ثمّ حسر عن ردن جبّته ،